الشيخ محمد هادي معرفة
187
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
على هذه الحال من قال اللّه تعالى في شأنه : « وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ » ؟ قال ابن كثير في تفسيرها : « وإنّ له يوم القيامة لقربة يقرّبه اللّه عز وجل بها وحسن مرجع ، وهو الدرجات العالية في الجنّة لنبوّته وعدله التامّ في مُلكه ، كما جاء في الصحيح : « المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمان ، وكلتا يديه يمين ، الذين يقسطون في أهليهم ، وما ولوا » ، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ أحبّ الناس إليّ يوم القيامة وأقربهم منّي مجلسا إمام عادل ، وإنّ أبغض الناس إليّ يوم القيامة ، وأشدّهم عذابا إمام جائر » رواه أحمد ، والترمذيّ « 1 » . ولكي يستقيم هذا الباطل قالوا : إنّ المراد بالنعجة هي المرأة ، وأنّ القصّة خرجت مخرج الرمز والإشارة ، ورووا : أنّ الملكين لمّا سمعا حكم داود ، وقضاءه بظلم صاحب التسع والتسعين نعجة لصاحب النعجة ، قالا له : وما جزاء من فعل ذلك ؟ قال : يقطع هذا ، وأشار إلى عنقه . وفي رواية : « يضرب من هاهنا ، وهاهنا ، وهاهنا » وأشار إلى جبهته ، وأنفه ، وما تحته ، فضحكا ، وقالا ، « أنت أحقّ بذلك منه ، ثمّ صعدا » . وذكر البغويّ في تفسيره وغيره ، عن وهب بن منبّه : أنّ داود لمّا تاب اللّه عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة ، لا يرقأ دمعه ليلًا ولا نهارا ، وكان أصاب الخطيئة ، وهو ابن سبعين سنة ، فقسّم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيّام : يوم للقضاء بين بني إسرائيل ، ويوم لنسائه ، ويوم يسيح في الفيافي ، والجبال ، والسواحل ، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب ، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ، فيساعدونه على ذلك . فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي ، فيرفع صوته بالمزامير ، فيبكي ، ويبكي معه الشجر ، والرمال ، والطير ، والوحش ، حتّى يسيل من دموعهم مثل الأنهار ، ثمّ يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير ، فيبكي ، وتبكي معه الجبال ، والحجارة ، والدوابّ ، والطير ، حتّى تسيل من بكائهم الأودية ، ثمّ يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير ، فيبكي ، وتبكي
--> ( 1 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 35 .